تخطي التنقل

سيادة الجنون في «ظلال الأزرق الخائف» للأردنية ريما حمود

سيادة الجنون في «ظلال الأزرق الخائف» للأردنية ريما حمود

«ظلال الأزرق الخائف» للروائية الأردنية ريما إبراهيم حمود، رواية تصور تأثيرات حرب أهلية على مجموعة من الجيران، كمقطع معبر ودال على الحرب ومآسيها بشكل عام، ولم تحدد الرواية المكان ولا الزمان، وإن كان المكان أقرب لجزء من حي في مدينة سورية، بحكم استخدام البراميل المتفجرة كعلامة فارقة لقصف الأحياء، ولكنها تصلح كنموذج للمعاناة الإنسانية في أي مكان عربي يعاني من احتراب داخلي مسلح بين السلطة الحاكمة ومعارضيها، حيث الإنسان المواطن هو الضحية ووقود الصراع، الذي قد تكون أسبابه في الغالب لا تهدف لتحرير المواطن وكرامته، بقدر ما تسعى لتحقيقه من مصالح ومكاسب وسلطة للأطراف المتصارعة، التي لا تأبه للمواطن إلا بقدر دوره في وصولها إلى أهدافها وإن على جثته.

اعتمدت الرواية تقنية تعدد الأصوات بالتناوب وهي أصوات: نور وعلياء وفاطمة والقبو وحسن، ولكن صوت حسن لم يكن مباشرًا، فقد ناب عنه راوٍ عليم، دلالة عن الغياب والضبابية والغموض في شخصيته، وهذا يتفق مع السياق، فقد كان حسن الشخصية الأبرز في الرواية، والأكثر تأثيرًا وحضورًا على الرغم من جنونه وتصرفاته وغموضه.

لم تنسج الكاتبة روايتها على أصوات القذائف وأزيز الرصاص فحسب، بل أثثتها على قصص وحكايات شخوصها قبل الحرب، فهي تتعامل مع شخوص إنسانية حية عاشت حياتها قبل الحرب، بما فيها من معاناة ومشكلات وآمال وأحلام وآلام وانتكاسات واستغلال وخصومات، فلكل شخصية خلفيتها الإنسانية المحملة بالحياة، وعندما داهمت الحرب منطقتهم، لجأ الجيران إلى قبو عمارة أبي حسن الذي جهزه كملجأ في أثناء الغارات وتساقط البراميل والصواريخ على الحي، وكان القبو خير مستقبل لهؤلاء الجيران، احتضنهم بحب وحنان، ووفر لهم الأمان، ولا غرابة أن ألفهم وألفوه، وأنس بهم وأنسوا به، فصار له لسان وصوت كان بارزًا في الرواية، لا يمكن تجاهله، وهذا يتوافق مع دوره في إيواء الخائفين، الباحثين عن مكان يأمنون به ويوفر لهم الحماية من بطش الحرب وجبروتها وإن إلى حين، وهذا ما أكده القبو في النهاية، أنه لم يعد يحتمل شدة القصف، لكأنه يعاني مثلما الناس ويتألم ويُقتل، وهذا ما كان.

تبدو قصص ومعاناة نور وفاطمة وعلياء ومريم وبقية الشخوص من الناحية الحياتية والاجتماعية عادية ومكررة، وهي من لوازم المجتمعات العربية، مع اختلافات ظرفية هنا وهناك، أما الحرب، فهي عادلة بقسوتها مع الجميع، لا تفرق بين كبير وصغير، وبين ذكر وأنثى. ولكن الشخصية الأبرز كما أشرنا سابقًا، هي شخصية حسن، فهي شخصية مركبة معقدة محيرة غامضة ضبابية متقلبة في الآن نفسه، فحسن العبقري منذ صغره، خريج الدكتوراه من أمريكا، كان يحب ابنة عمه منال منذ صغرهما، ولكن عمه استبق عودته بشهاداته بأسبوع، وزوجها من ثري، وضرب عرض الحائط برجاء أخيه، ومشاعر ابنته، وحب ابن أخيه المعلن، فانتكس حسن، وصار أقرب إلى الجنون، يجري وراءه الأطفال يضربونه بالحصى، وينادونه بحسن المجنون، ولكن للغرابة، كانت نساء الحارة يستعنَّ به لتعليم أولادهن الرياضيات والفيزياء، فلم يتردد بالشرح والتدريس ووصفهم بالحمير.

المصدر: صحيفة القدس العربي


أضف تعليق