تخطي التنقل

لقد تم غلق باب الترشيح للدورة الخامسة.

“كتارا” مُكرِّمة الرواية العربية: السياسة متغيّرة والثقافة ثابتة

“كتارا” مُكرِّمة الرواية العربية: السياسة متغيّرة والثقافة ثابتة

في المبنى 15 من حيّ كتارا، أتفحّص الملامح محاولةً إدراك ما يختلج أعماق كلّ نفس. وجوه من جنسيات عربية، يشاركون ضيوفاً في المهرجان أو لمهمات التغطية الصحافية. تضع قطر إمكاناتها في إثبات مكانة الجائزة دورة تلو أخرى، وتُخصص لها عناية لافتة واهتماماً كبيراً. شعار السنة: “للرواية حقّ التكريم”، مرفوع على الجدران وفي بعض زوايا الممرات حيث يحلو للضيوف التعارف ومناقشة قضايا الكتابة والنشر. 1144 مُشاركة من كلّ الدول العربية عن خمس فئات، تختزل نشاطات دورة 2017، وضمن كلّ فئة خمسة فائزين: الروايات العربية المنشورة (حصل كلّ فائز على 60 ألف دولار)، الروايات العربية غير المنشورة (لكل فائز 30 ألف دولار)، دراسات في البحث والتعليم والنقد الأدبي (لكل فائز 15 ألف دولار)، وروايات الفتيان غير المنشورة (لكل فائز 10 آلاف دولار، وتُترجم روايات الفائزين إلى الإنكليزية والفرنسية).

“يُرجى من الحضور العودة إلى أماكنهم”، فيجلس الجميع في انتظار كلمة المدير العام لـ”كتارا” خالد بن إبرهيم السليطي. تصفيق حار للرجل، كشكر على عطاءاته في عالم الثقافة، وإصغاء بإمعان إلى كلمته. قال إنّ “الجائزة حديثة، لكنّها جاذبة لعشّاق الرواية. الإقبال كبير ومميّز. عملنا دؤوب لدعم حركة الأدب العربي. إنّها جائزة كلّ العرب”.

تحاول “كتارا” البحث عن تميّز في زمن كثُرت فيه الألقاب والجوائز. يفاخر القيّمون على الجائزة بأنّها لا تكتفي فحسب بمنح مبالغ مالية للفائزين وترجمة أعمالهم، بل للرواية في “كتارا” فرصة التحوّل مسرحية ذات بُعد درامي. إنّها مبادرة مَسْرحة نصوص تحمل خاصية التشكّل والتحوّل أصواتاً حية على الخشبة. السادسة والنصف مساء، وقف الجميع أمام مبنى دار الأوبرا في الحيّ الثقافي بانتظار عرض مسرحية “الحرب الصامتة” المقتبسة عن رواية “مملكة الفراشة” للأديب الجزائري #واسيني_الأعرج، الفائز بالدورة الأولى من “كتارا”. قليل من العصير والحلوى، ثم يبدأ العرض بحضور الأعرج ضيفاً مضيئاً في المهرجان، يجلس في الصفّ الأول بتواضعه وكاريزمته (لـ”النهار” حديث خاص معه، ننشره في مقال منفصل). “الحرب لم تنتهِ، المحاربون يستريحون فقط”، عِبرة المسرحية ويوميات الحياة.

تحية بديعة لأديب السودان وضميرها الروائي، الطيب صالح (1929- 2009). كلّما تلمح وجه سوداني، تراه مبتسماً، ولا تسل لماذا، ففي طينة هذا الشعب طيبة تؤكّدها انطباعات السفر. يكتظّ المبنى 18 بسودانيين وعرب يحضرون معرضاً يكرّم الطيب صالح ويختزل بالرسوم والكلمات مسار حياته وعطر العطاءات. كاميرات وزحمة، والبعض يتمهّل أمام كلّ لوحة، يقرأ تفاصيلها ويتعرّف أكثر إلى الأديب الكبير. حياةٌ في صور، من الولادة إلى الصمت. تستوقفني كلماته على رسمة، فيتراءى الطيب صالح وهو يتأمّل أفقاً ما، ربما نافذة مفتوحة على عصفور وحيد، ويكتب: “ما هو الموت؟ شخص يلقاك مصادفة، يجلس معك، كما نجلس الآن، ويتبسط معك في الحديث، ربما عن الطقس، أو النساء أو أسعار الأسهم في سوق المال. ثم يوصلك بأدب إلى الباب، يفتحه ويشير إليك أن تخرج. بعد ذلك لا تعلم…”. كان “عبقرياً”، أحسنَ المهرجان وصفه

تُدخل “كتارا” عناصر جمالية إلى العنصر الجمالي الأكبر، الرواية، فتتوقف الدورة أمام أعمال تشكيلية تُكرّم أصحابها لتصميمهم أغلفة روايات وكتب، وتمنحهم شهادات وجوائز، وبعدها حفل توقيع على إصدارات المهرجان نُشرت هذه السنة. الحرارة في الخارج تناهز الأربعين، ووحدها أجهزة التبريد تنقذ الإنسان من اختناق الجوّ. في قاعة المحاضرات، يؤكد المشرف العام على الجائزة خالد السيد ما كان السليطي تحدّث عنه: الصدقية والشفافية. لم تُكشف أسماء أعضاء لجنة التحكيم وجنسياتهم حتى موعد إعلان النتيجة، كحالهم وهم لا يدرون بأسماء الكتّاب وجنسياتهم بينما يقوّمون نصوصهم من دون خلفية. “مشروعنا ليس تجارياً”، يقول السيد، “نشاء النهوض بالثقافة العربية. تُقرأ كلّ رواية من أربعة أعضاء. الشفافية موجودة والحمدلله”.

كان لا بدّ في النقاش من طرح تساؤلات عن الأزمة الخليجية وتأثير السياسة في المسار الثفافي العربي. السيد مستعدّ، ولعلّه توقّع ألا تمرّ المحاضرة من دون اتجاه سياسي. بدا حازماً بتأكيده أنّه “رغم الأزمة، لم تشهد الجائزة انسحاب أحد. منذ اليوم الأول شدّدنا على أنّ “كتارا” جائزة كلّ العرب. السياسة متغيّرة، لكنّ الثقافة ثابتة”.

يصفّق الحضور للعرض المسرحي وللمسات واسيني الأعرج العميقة على النصّ. كنا أمام ديكور متبدّل وأضواء تتغيّر بتغيّر الوضعيات النفسية وسلوك الأبطال. تتجسّد على المسرح إشكالية الحرب في كونها عذاباً أبدياً، بلوعة ما تتركه في النفوس من انسلاب وقهر. تحضر ضريبة العمر على هيئة أحلام تصطدم بالواقع، فتحطّمه كما تتحطّم موجة تقذفها ريح على صخرة. وتنهض وحوشنا مُلحِقة بنا الذعر وهي تُذكّر بأنّ الجميع في الحروب يتحوّل مجرماً وفي أقلّ تقدير يُبرّر القتل. “لا نهاية للحرب. المحاربون يستريحون”. تذكّر العِبرة.

يصف مقدّم إعلان الجوائز اللحظة بـ”الحاسمة”، ويُرحّب مجدداً بالحضور بعد استراحة، وبالسليطي المدير العام. صمتٌ في قاعة الأوبرا، وحَسنٌ أنّ التزام الهدوء لا يتطلّب الحاجة إلى رجاء كلّ فرد. البداية بآيات من القرآن، ثم الوعد بدورة رابعة في السنة المقبلة وجعل 13 تشرين الأول الأول يوماً للرواية العربية. يجدّد السليطي في كلمته التأكيد على الصدقية، بعد كشف الحفل عن أسماء اللجنة من كل الدول العربية. بابتسامة وفخر، يتسلّم الفائزون جوائزهم، فتجمعهم بالسليطي صورة تذكارية. الأدب نجاة البشرية من مآسيها، السياسة والحروب موت الجمال الباقي.

المصدر: صحيفة النهار اللبنانية

التاريخ: 14 أكتوبر 2017