تخطي التنقل

لقد تم غلق باب الترشيح للدورة الخامسة.

«مقبرة المياه».. رواية عن الجريمة في ظلال الحرب

«مقبرة المياه».. رواية عن الجريمة في ظلال الحرب

لطالما شكلت قضية الهروب من الحرب مادة للكتاب والروائيين يستلهمونها في أعمالهم. خلال العقد الأخير دفعت الوقائع الدامية الكتابة الروائية العربية إلى التقاط ملامح التحول الاجتماعي في ظلال الانتفاضات والحروب، في هذا السياق يمكن إدراج رواية “مقبرة المياه” للكاتب الليبي محمد عبدالمطلب الهوني الذي يصوّر فيها جراح المهاجرين النازفة ومآسيهم المتعاظمة في رحلة بحثهم عن الملاذ الأخير، تلك الرحلة التي تتحوّل إلى محطة أخيرة لكثيرين منهم هربوا من الحروب والإجرام والفقر والجوع ليقعوا في براثن اللصوص والمجرمين الذين يعاملونهم باستخفاف وتحقير وكأنّهم أشياء لا قيمة لها، أو أرقام لمراكمة الأموال ونهبها منهم، من دون إيلائهم أيّ اعتبار يُذكر.

يجمع الليبي محمد الهوني في عنوان روايته “مقبرة المياه” بين ما يبدوان للوهلة الأولى على أنهما نقيضان، ذلك أنّ المياه التي تكون متحركة، مائجة، غير ثابتة، متخبطة، مضطربة، تناقض السكون والثبات اللذين يسمان المقابر عادة.. ومن المألوف أن تكون المقبرة على أرض معلومة، لا في أرض متخيلة تحت المياه.

يرمز العنوان في جانب منه إلى أولئك المهاجرين الذين يلقون حتفهم في مياه المتوسط أثناء رحلة الموت التي يخوضونها في قوارب الهلاك والمأساة، بحثاً عن الهجرة إلى الشمال الذي يتبدى في المخيلة كفردوس منشود، ويلفت إلى أنّ البحر الذي يفترض أن يكون جسراً للعبور يغدو مقبرة تفتح فاهها لالتهام المزيد من الضحايا كلّ مرة؛ مقبرة لا ترتوي أبداً، وتستزيد بشكلّ دائم، كأنّها صدى للجشع الذي يصم أولئك المهرّبين الذين يستخفّون بحياة البشر الذين يبحرون بهم في عتمات البحر من دون أي رأفة أو رحمة أو تقدير.

يغوص الروائيّ في عدد من القضايا والجغرافيات، يشبكها وينسجها بطريقة روائية لافتة، يجري بينها تداخلا واشتباكا وتكاملا، وكأنّ كلّ قضية هي صدى للأخرى، أو من نسل الفجيعة أو جذره التراجيدي نفسه، بحيث يحيل إلى التفكير في عبثية ما يجري، ودوافع المجرمين الذين ينسلخون عن إنسانيتهم المفترضة ويتحوّلون إلى وحوش بشرية تفتك بالآخرين المحيطين بهم بشتّى السبل.

لعلّ بالإمكان توصيف رواية “مقبرة المياه” بأنّها رواية زمننا بما فيه من تناقضات ونقائض، وما يشتمل عليه من جنون واختلاف، رواية تلتقط مفارقات الحياة لتحرض على البحث عن الأمل وسط ركام المآسي والفجائع، وعدم الاستسلام لليأس، وإن بدأ قاتلاً ووحشيا بطريقة لا ترحم.. رواية تحرض على البحث عن الإنسان الكامن في النفس البشرية، ومحاربة الوحش الذي يستوطنه والذي يظهر ويتجسّد في ظروف مختلفة، عساه يساهم بقسطه في تجميل العالم الذي يلوّثه تجّار الحروب والدماء بقذاراتهم الإجرامية.

المصدر: ميدل إيست أونلاين


أضف تعليق