تخطي التنقل

تم إغلاق باب الترشيح في الدورة الثالثة 2017.

جوائز كتارا وبلورة أذواق القراء

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Email this to someone
جوائز كتارا وبلورة أذواق القراء

في جائزة كتارا المخصصة لتكريم الروائي العربي كنت سعيدة لأسباب عديدة منها ما يحمله هذا التكريم من دلالة على إحساس القائمين عليها بأهمية هذا الجنس الأدبي الأكثر قدرة على حمل هموم الناس وآلامهم. وأظن أن واحدة من مؤشرات الرقي في دول العالم تكمن في تكريم المبدع عموماً، بما يحمله هذا التكريم من مردود نفسي اعتباري وكذلك مادي متميز سيسهم بالضرورة في التخفيف من أعباء مالية تحول بين الروائي وتفرغه للعمل الكتابي.

لفتني في الجائزة الأعداد الكبيرة التي باتت ترسل للتحكيم. وأنا أنظر إلى هذا الأمر باعتباره مؤشراً إيجابياً لا يخلو من سلبية إذ صرنا نرى كثيرين من المغامرين غير المؤهلين قد اجترأوا على عالم لا يملكون ما يكفي من مؤهلات لاقتحامه. علماً أن كتارا بتخصيصها جائزة عن فئة المخطوطات غير المنشورة أسهمت وستسهم أكثر في التعريف بكتاب مغمورين أعطتهم الجائزة فرصة أن يقرأهم متخصصون يُعرفون القراء بهم, ينضاف إلى ذلك أن الفوز بالجائزة عن هذه الفئة قد يكون فرصة كبيرة تمنح الكاتب المبتدئ تعزيزاً هو في أشد الحاجة إليه.

طبعاً وكما هو معروف فإن المؤسسة تترجم الروايات الفائزة إلى اللغتين الفرنسية والإنجليزية, ولهذا الأمر إيجابياته التي يمكن تلمسها على نحو أفضل لو أن كتارا تقوم بعملية تنسيق مع دور نشر غربية تمنح الرواية فرصتها كي تقرأ في الخارج ويتم الترويج لها أمام الجمهور والقارئ الغربي.

واحدة من خصوصيات هذه الجائزة أنها تمنح روايتين عن الفئتين المنشورة وغير المنشورة فرصتهما كي تحولا إلى عمل درامي. وهنا لا بد من التأكيد على أن فوز الرواية بجائزة الدراما لا يعني أنها الأفضل فنياً من غيرها. كل ما هنالك أن اللجنة المتخصصة وجدت أنها صيغت في الأساس بأساليب تتوافق والعمل السينمائي. بمعنى أن المعنى فيها يتكئ على متتاليات صورية ترتبط فيما بينها بجملة من أسباب ومسببات مع خط درامي واضح.

وظني أن هذه الخصوصية التي تحملها كتارا  من شأنها أن ترتقي بمستوى العمل السينمائي فلا يعود محصوراً في عناصر الترفيه والتشويق والإبهار. ويصبح بالإمكان الحصول على أفلام تجمع بين القيمة الدرامية والثقافية الراقية. ومن شأن هذه الخصوصية تيسير سبل رواج نصوص روائية يتكاسل البعض عن قراءتها. وهو ما سيكون له أثره من حيث دفع المتلقي للبحث عن النص الروائي نفسه. أعتقد أن رواية ناصر عراق ” الأزبكية” الفائزة بجائزة الدراما هذا العام ينطبق عليها ما ذكرته آنفاً, فالرواية عبّرت عن أمراض المجتمع المصري بلغة رشيقة, وكانت قادرة على نقل سلسلة من حكايات وأحداث ذات طابع ديناميكي بحساسية بصرية وبنائية درامية تجعلها صالحة لأن تكون عملاً سينمائياً أو تليفزيونياً.

كنت وما زلت أرى في التحكيم مسئولية كبرى، ليس على مستوى إعطاء الروائي الأجدر الجائزة التي يستحقها وحسب, وإنما لإيماني بأن التحكيم يعمل على توجيه القارئ نحو رواية بعينها. أمر قد يسهم في بلورة أذواق قراء في طورها للتشكل. وعن عملية التحكيم لا بد أن أشير بأن هناك مرجعيات معينة ترسلها المؤسسة للمحكمين تتعلق بالجانبين الدلالي والفني. طبعاً من الصعب اعتماد مرجعية معيارية ثابتة لأننا نقرأ في مجال أدبي إنساني يلعب الذوق فيه دوراً هاماً, وهو ما يبقي الجدل قائماً إن كانت هذه الرواية أو تلك هي الأفضل؟ يبقى المهم في عملية التحكيم برمتها الدقة في اختيار عضو لجنة التحكيم على الصعيدين المعرفي والخلقي أيضاً. علماً أن المحكم يعرف أنه لا يعمل بشكل منفرد, وبالتالي فإنه لن يجترئ على رفع رواية ضعيفة لأن في هذا ما يضعف من مظهره وقيمة ما يكتب من تقارير.

في ورقة تحت عنوان ” الرواية العربية المعاصرة: اتصال أم انقطاع” وضمن فعاليات الجلسات العلمية التي عقدتها كتارا  على هامش الاحتفائية بفائزيها في الدورتين الأولى والثانية, حاولت تتبع أثر التغيرات الخطيرة التي أصابت المشهد الإقليمي بعد عام 2010 على رواية عربية كان أمراً طبيعياً أن تحاكي أو تناقش ما يجري على أرض الواقع من صراعات متنوعة, وفي هذا الصدد قلت إن هناك أسئلة معاصرة كانت قد استحوذت على اهتمام الروائي منذ زمن: الحرية, الهوية, المستقبل, التطرف, المنفى. وهي الأسئلة ذاتها التي ما زالت تفرض نفسها على الروائي حتى اللحظة, وإن كانت بطبيعة الحال قد اكتسبت مؤخراً حيثيات جديدة بفعل المتغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة برمتها.

بالنسبة للأنماط السردية السائدة, فهي متعددة؛ فهناك من الروايات ما يبقى في حالة انزياحات مستمرة عن ثوابت سردية. وكثير منها يتصدى لحكايات سلطوية مركزية كما في رواية الياس خوري ” أولاد الغيتو” التي كتبت لنا التاريخ الفلسطيني من منظور مخالف للرواية الإسرائيلية السائدة. وهنا لا بد من التفرقة بين نصوص ظاهرها الفوضى ولكنها ترسل للقارئ معنى متخفياً ينبئ عن تماسك خفي, وأخرى بدت غاية في التطرف في انقطاعها عن العالم إذ نشهد فيها حالة من التشتت واللامعنى تزرع حالة من الشرود والخمول لدى المتلقي. ومما لاحظته أيضاً أن كثيراً من روايات هذا العام يغيب عنها أي يقين ممكن, بل ويبقى القارئ معها في حالة من اللاجدوى والعدمية.

ينضاف إلى ما سبق نمط سردي صرت أراه قريباً من نمط الرواية الواقعية في بنيتها وشكلها وحبكتها التقليدية البعيدة عن هلوسات وهذيانات باتت ظاهرة من ظواهر بعض روايات معاصرة رافقتها لغة شعرية مغرقة تحضر أحياناً على حساب أي منطق سردي جاعلة الغلبة لأفكار وأخيلة تتوالد دون أي ضابط. كذلك لا يغيب عن متابع الرواية العربية حس تشاؤمي بلغ ذروته مؤخراً في روايات استمدت إلهامها من حاضر مؤلم نعيشه لتنبئنا بمستقبل أشد إيلاماً. مع أن رواية إبراهيم نصر الله الفائزة ضمن فئة الرواية المنشورة ” أرواح كليمنجارو” خرجت عن هذا التشاؤم حين رسمت مسارات رحلة صعبة يصعد فيها أبطالها جبلاً ” كليمنجارو” كان الملهم للقارة الإفريقية في رحلتها إلى التحرر من الاستعمار. وكان همّ الرواية أن تعرض لنا سبل نجاح شرطها إرادة قوية ممزوجة بروح التسامح وقبول الآخر مهما بلغت وعورة الأجواء.

أخيراً أقول: لا بد للروائي أن يكتب بعيداً عن أية مؤطرات تكون قد ترسخت لديه عن سبل مفتوحة للجائزة يقوده إليها عمل فائز سابق يملي عليه التحرك في إطاره. كما يهمني أن يتحرر الروائي من فكرة الإسراع في إنتاج روايته كي يضمن مشاركتها في الجائزة. وأنا أعتقد أن نجاح الرواية غير مرهون بمصطلحات وأوصاف سريعة تطلق عليها؛ مثل القول عنها تجريبية أو غير تجريبية بدليل نجاح روايات استطاعت أن تعبر عن حالات اغتراب وضياع وتحولات مفجعة يعيشها الإنسان العربي دون أن تلزم نفسها بنمط غرائبي وكانت قادرة على الإمساك بقارئها عبر أدوات وتقنيات نجحت في اجتذاب القارئ إليها والتفاعل معها بقوة.

مقال رأي للدكتورة رزان إبراهيم نقلا عن صحيفة “الأهرام” المصرية


أضف تعليق